فخر الدين الرازي
38
شرح عيون الحكمة
إحداهما : أنه لا بد هناك من مطلوب ممكن الحصول ، ليكون هذا التأدى تأديا اليه . والثانية : ان ذلك التأدى ما دام باقيا ، فإنه ( أن ) بقي منه شئ بالقوة ، فان المتحرك انما يكون متحركا بالفعل ، إذا لم يصل إلى المقصود وما دام كذلك فقد بقي من كونه متحركا أمر بالقوة فثبت أن هوية الحركة متعلقة بأن يبقى منه شئ بالقوة ، وبأن لا يكون ما هو المطلوب من الحركة حاصلا بالفعل . وأما سائر الكمالات فلا يحصل فيها واحد من هذين الوصفين . فان الشئ إذا كان مربعا بالقوة ثم صار مربعا بالفعل ، فحصول المربعية من حيث هو هو ، لا يوجب أن يستعقب شيئا آخر . وأيضا : فعند حصولها لا يبقى فيها شئ بالقوة . وإذا عرفت هذا فنقول : الجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في مكان آخر ففيه امكان أمرين : أحدهما : امكان حصوله في ذلك المكان الآخر . والثاني : امكان التوجه اليه . فهذان أمران إذا حصلا كانا كمالين . لكن التوجه اليه مقدم على الوصول اليه ، والا لكان ذلك الوصول دفعة لا على التدريج . وقد فرضناه حاصلا ، فثبت : أن هذا التوجه كمال أول للشئ الذي هو بالقوة ، لكن لا من كل وجه . فان الحركة تكون كمالا للجسم ، لا من حيث إنه جسم ، ولا من حيث إنه انسان ، وانما هو كمال له من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة . فالحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة . * * * واعلم : أن هذا البيان لطيف دقيق ، الا أن السؤال عليه قائم من وجوه : الأول : ان هذا التعريف للشئ بما هو أخفى منه ، لأن كل انسان عاقل يدرك ببديهة العقل التفرقة بين كون الشئ متحركا وساكنا ، والأمور التي ذكرتموها لا يتصورها انسان ، الا الأذكياء من الناس . وتعريف الواضح بالخفى مستنكر في المنطق .